شكل عام 1958 نقطة تحول حول "تاريخ
الحمص في
إسرائيل"، ففي النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي، وفي ضوء الشعبية المتزايدة لأطعمة مثل الحمص والطحينة والفلافل، قررت شركة الأغذية الإسرائيلية "تلما - Telma" إضافتها إلى خط إنتاجها.
وقد عُهد بتطوير الحمص إلى مختص أغذية كان قد هاجر من فيينا، وأدت المشكلات التكنولوجية، مثل قوام ومذاق الطحينة بمجرد تسخينها، إلى تأخير عملية التطوير، وأخيراً، في منتصف عام 1958، دخل أول حمص منتج صناعياً إلى السوق الإسرائيلية.
تفاصيل أكثر عن أساليب السرقات الثقافية الإسرائيلية: ا
لاحتلال يسرق الأكلات الشعبية الفلسطينية والعربية
توضح دافنا هيرش، مؤلفة الكتاب الصادر حديثاً: "المسيرة الإسرائيلية للحمص: الاستيلاء الاستعماري، الأصالة، والتميز" أنه "حتى عام 1948، كان الحمص طعاماً عربياً لم يكن يستهلكه غالبية المستوطنين اليهود الأوروبيين"، بحسب تقرير مطول لصحيفة "
هآرتس".
وأضافت هيرش، أن "القلة (من المستوطنين اليهود) الذين تبنوا الحمص في وقت مبكر فعلوا ذلك باسم المحلية والقيم الغذائية – ومن بينهم معلمو الاقتصاد المنزلي الذين كتبوا أولى كتب الطهي المحلية. والبعض الآخر، مثل أعضاء البلماخ (الميليشيا الصهيونية السرية قبل قيام إسرائيل)، سعوا إلى اقتباس السمات الأصلية من خلال استهلاك الطعام العربي".
وتضيف هيرش: "لكن غالبية الجمهور اليهودي تجاهلوا الحمص أو لم يكونوا على دراية بوجوده. والقلة الذين عرفوا الحمص صادفوه في المطاعم الشرقية التي كانت تتمتع بسمعة غير نظيفة وغير متحضرة إلى حد ما. إن أول حمص تم إنتاجه صناعياً أدخل هذا الطعام إلى المطبخ المنزلي ومهد طريقه إلى قاعات الطعام في المؤسسات".
وكان منتج "تلما" الأصلي، الذي يُباع في برطمانات، عبارة عن معجون يجب خلطه بالماء قبل التقديم. وعندما ارتفع سعر الحمص، وهو المكون الرئيسي، استبدلت الشركة ثلث المنتج بالفول.
وفي عام 1962، نزلت إلى السوق علب الحمص الجاهزة للأكل. هذا المزيج المحبب ذو القوام الكثيف، بطعمه الحامض المميز، تجاوز مايونيز شركة "تلما" ليصبح الصنف الأكثر مبيعاً للشركة، وأدى هذا النجاح إلى ظهور منتجات إضافية، من بينها الحمص "على الطريقة اليمنية" (1969)، والذي انضم إلى خلطة الفلافل "على الطريقة اليمنية".
وأكد التقرير الإسرائيلي أنه "لتبديد كل شك، مرة واحدة وإلى الأبد: لم يكن الفلافل والحمص بالطحينة جزءاً من قائمة أطعمة اليهود اليمنيين في بلدهم الأصلي"، وتوضح هيرش: "لكن اليهود المزراحيين (الشرقيين) كانوا يعملون غالباً كوسيط لنقل الأطعمة العربية إلى الجمهور الأشكنازي (الأوروبي). كما أن تماهيهم مع الشرقية الأصيلة أضفى الشرعية على عملية أسرلة الحمص من خلال ربطه باليهود المزراحيين بدلاً من العرب".
اظهار أخبار متعلقة
والدليل على ذلك هو إعلان تجاري لا يُنسى من عام 1961 يظهر زوجاً يمنياً، يرتديان الزي التقليدي، يدخلان مطعماً فاخراً في أحد فنادق "دان"، ويطلبان رغيفي خبز (بِيتَا) فقط لاستخدامهما في تناول الحمص الذي يخرجانه من حقيبتهما – على طاولة مُعدة وفقاً لقواعد الإتيكيت الغربي. ويصبح الحمص محط رغبة رواد المطعم من حولهم، والذين يبدون جميعاً بملامح أوروبية. ولكن من الصعب إغفال غربة الزوجين اليمنيين".
وثمة حقيقة لا تقل إثارة للدهشة وهي أن أول ذكر للحمص كـ"أكلة وطنية" ظهر في إعلان صحفي لشركة "تلما" أيضا عام 1958. وتقول هيرش: "لقد عُرّف الفلافل بأنه الطعام الوطني الإسرائيلي حتى قبل ظهور المنتج الصناعي، والذي لم ينجح حقاً في أي حال من الأحوال. لكن الحمص تم تسويقه بهذه الطريقة من قِبل الصناعة بمجرد زيادة شعبيته".
وجاء في الإعلان التاريخي: "الكنيش أو الفيرينيكي (نوع فطائر). ليس كل ضيوفك على دراية بهذه الأطباق القادمة من أوروبا الشرقية. لكن الجميع يأكلون الحمص بحماس. الحمص: الطبق الوطني الإسرائيلي".
وذكر التقرير بشكل واضح أن "الحمص بدأ كطعام عربي، ثم تم قمع عروبته. لاحقاً، اعُتبر الحمص الذي يعده العرب هو الأكثر أصالة، وأن العروبة هي مورد يستغله مختلف الفاعلين الاجتماعيين والمؤسساتيين".
عملية الدعاية
تقول هيرش: "هذا لا يعني أن الجميع رأوا الإعلان واكتسب الطبق مكانة الرمز الوطني بين عشية وضحاها. لكن الرسالة بدأت تتدفق وتنتشر، والخطاب الذي شجعته الصناعة بمساعدة رأس المال، والاستراتيجية التسويقية والإعلان، كان له أثر، فقد عُرض الحمص الصناعي في الأجنحة الإسرائيلية في معارض الأغذية الدولية؛ وقُدم في مأدبة عشاء رسمية أقيمت عام 1961 تكريماً ليوم الأمم المتحدة؛ وكان جزءاً من قائمة طعام الرياضيين الإسرائيليين في أولمبياد طوكيو عام 1964".
وتتابع هيرش: "ارتفع مستوى المعيشة في إسرائيل خلال تلك السنوات وازدهرت الصناعة، بعد سنوات طويلة من الحرب والتقشف، وبدأ الإسرائيليون في السفر إلى الخارج ووصل أول السياح إلى البلاد. وكانت إسرائيل، مثل العديد من الدول الأخرى في مرحلة ما بعد الاستعمار، مشغولة بابتكار ثقافة وطنية، وبخلق لغة جمالية جديدة تدمج الأشكال الحديثة مع العناصر المحلية".
وأضافت "كان هذا صحيحاً بالنسبة للطعام وفي مجالات الثقافة الأخرى، وشاركت الصناعة بنشاط في هذه العملية بدعم من الدولة. إنها حقبة احتلت فيها الصياغة الصناعية مكانة شرف في بناء الدولة والاقتصاد والأمة. كانت والدتي وتصميمات المنسوجات التي نفذتها لصالح "ماسكت" (أول دار أزياء راقية في إسرائيل) جزءاً من هذه القصة أيضاً".
"ضريح الحمص"
يذكر أن هيرش، المولودة عام 1970، هي الابنة الوحيدة للفنانة سيونا شيمشي والمصور والمخرج يواخين هيرش، وفي أوائل التسعينيات ذهبت إلى نيويورك لدراسة التصوير الفوتوغرافي. وقالت: "هناك اكتشفت أنني أستمتع بكتابة الأوراق النظرية أكثر، وأنني أفضّل اتباع طريقي الخاص وألا أعيش في ظل والديّ، حتى لو كان هذا تبريراً بأثر رجعي".
اظهار أخبار متعلقة
وعندما عادت إلى "إسرائيل"، انخرطت في مسار أكاديمي تضمن الحصول على درجتي البكالوريوس والماجستير من جامعة تل أبيب؛ والدكتوراه في التاريخ من الجامعة نفسها، والتي حُوّلت إلى كتاب يحمل عنوان: "'نحن هنا لنأتي بالغرب: التثقيف الصحي وبناء الثقافة في المجتمع اليهودي تحت الانتداب"، الذي نشر باللغة العبرية عام 2014. وحصلت أيضا على زمالة ما بعد الدكتوراه في قسم الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع في الجامعة العبرية في القدس. وتعمل حالياً كأستاذ مشارك في قسم علم الاجتماع والعلوم السياسية والإعلام في جامعة إسرائيل المفتوحة، حيث تقوم بتطوير مساقات في الدراسات الثقافية وعلم الاجتماع.
وقد تولد اهتمام هيرش بسوسيولوجيا الحمص عندما عادت إلى "إسرائيل" عام 1994، وحينها أخذتها شريكتها، عالمة الاجتماع سمدار شارون، لتناول الطعام في مطعم "أبو حسن"، وهو مكان شعبي للحمص في يافا.
وتتذكر قائلة: "فوجئت بأنني لم أكن أعرف عن هذا المكان، الذي يعد بمثابة ضريح للحمص، على الرغم من أنني نشأت في يافا القديمة. ودهشت عندما اكتشفت أن طعاماً لم يكن يُعتبر في الماضي شيئاً كبيراً، قد أصبح بطلاً ثقافياً ينشغل به الناس دون توقف".
وأضافت أن "اللغة العاطفية والشغوفة التي يتحدث بها الناس عن الحمص اليوم كانت شيئاً لا أتذكره من الماضي. إن موضوعات البحث التي تهمني هي مواد الحياة اليومية: الأشياء التي تشكلنا جسدياً وعاطفياً وفكرياً، والطرق التي تجسد بها عمليات وعلاقات أكثر تعقيداً. وحتى أكثر تفاصيل الحياة اليومية دنيوية تتشكل من خلال الهياكل السياسية والاجتماعية التي تظل غير مرئية بالنسبة لنا في كثير من الأحيان. ويجب أن أعترف أنه في حالة الحمص، لم يكن اهتمامي منفصلاً عن صيرورته طبقاً مشحوناً سياسياً إلى هذا الحد".
بدأت هيرش دراسة الحمص في عام 2009، في البداية كجزء من مشروع متواضع لندوة افتتحت برنامج الماجستير في الدراسات الثقافية بجامعة إسرائيل المفتوحة. وتقول: "وعندما انفتح عالم كامل، أصبح من الواضح أن هناك متسعاً لكتاب. لم تكن هناك أي مقالات تقريباً حول هذا الموضوع في ذلك الوقت، وحتى اليوم لا يوجد بحث تاريخي وفير حول الطعام في إسرائيل. استغرق البحث وقتاً طويلاً، لأن الحياة تدخلت، ولكن أيضاً لأنه كان من المهم بالنسبة لي أن ألمس كل جوانب هذا الموضوع المعقد، سواء من خلال العمل في الأرشيف أو المقابلات الميدانية".
الحمص وغزة
أكد التقرير ثمة فكرة إضافية تتعلق بالجدل السياسي، الذي جعل الكتابة عن الحمص حقل ألغام قبل وقت طويل من السابع من تشرين الاول/ أكتوبر، وتقول هيرش: "بالنسبة لي، مسألة الاستيلاء ليست مسألة مثيرة للاهتمام. الإجابة واضحة. هذا ليس سبباً لتأليف كتاب عن الحمص. الاستيلاء جزء لا يتجزأ من تاريخ الطعام – الأطعمة تتغير وتنتقل بين المجموعات الوطنية والعرقية طوال الوقت – لكننا لم نجعل جبن الحلوم أو المعكرونة طعامنا الوطني، لقد استخدمنا طبقاً عربياً محلياً لنفعل ذلك".
وأكدت "بدأ الحمص كـ 'طعام عربي'، ثم تم قمع عروبته – جرى طمسها ولكن لم تُمحَ تماماً – وفي أوائل التسعينيات، وبقوة أكبر في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أصبح الحمص الذي يعده العرب، يُعتبر الحمص الأفضل والأكثر أصالة. والعروبة هي مورد يستغله مختلف الفاعلين الاجتماعيين والمؤسساتيين بطرق مختلفة".
في مارس الماضي، عندما صدر الكتاب، أعلنت دار النشر عن صدوره في منشور على "فيسبوك" سرعان ما تعين حذفه بسبب الردود القاسية، كما توضح هيرش. ربما جاءت معظم التعليقات من أشخاص نظروا فقط إلى العنوان: فالجمع بين كلمتي "حمص" و"إسرائيلي" يضمن تقريباً رد فعل عنيفاً من الجانب المؤيد للفلسطينيين، واستخدام مصطلح "الاستيلاء الاستعماري" من الجانب المؤيد لإسرائيل.
كان من الواضح في البداية لهيرش أن الكتاب سينشر أيضاً في ترجمة عبرية. الآن هي ليست متأكدة جداً. وفي حفل متواضع لإطلاق الكتاب الشهر الماضي، اعترفت بأنها اليوم لم تكن لتكتب أصلاً هذا الكتاب الذي استثمرت فيه 15 عاماً.
اظهار أخبار متعلقة
وأضافت "بعد تدمير
غزة، من سوء الذوق نشر كتاب عن الحمص". وهي إجابتها على سؤال عن سبب عدم نشر كتاب يقدم رواية غير منمقة للعمليات الإنسانية المعقدة التي أدت إلى الوضع الحالي.
وقالت "نحن بحاجة للتحدث عن التجويع (المجاعة)، وليس عن كيفية استيلاء إسرائيل على الحمص. في رأيي، ما حدث في غزة هو إبادة جماعية؛ ولكن حتى لو اخترت تسميتها بشيء آخر – جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية – فإن إسرائيل عازمة على سحق غزة، وتسيء معاملتها ومعاملة الفلسطينيين منذ فترة طويلة جداً".
وتابعت "إنه لغز دائم بالنسبة لي كيف يتعاون مجتمع بأكمله مع ذلك، وفي الوقت نفسه لا يعرف ولا يريد أن يعرف [ما يحدث]. ولكن عندما يُفعل شيء بنا، فإنه يأتي دائماً كمفاجأة كاملة".